#مقالات رأي
د. شما محمد بن خالد آل نهيان 2 ابريل 2025
وسط عالم صاخب، حيث تشغلك رحلتك الفردية في الحياة، وسعيك وراء النجاح، ومقاومة التحديات.. هناك مَنْ يخرج من تلك الدائرة؛ لينظر إليك، ويهتم بك، ويقدم إليك المحبة الخالصة، فهو الإنسان الوحيد في هذا العالم، الذي يقدم إليك المحبة دون مقابل.. إنها «الأم»؛ فهي الوحيدة، التي تقدم إليك حباً غير مشروط.
رحلة الأمومة تبدأ على ناصية «الحلم الفطري»، الذي تعيشه كل فتاة، ويتجلى ذلك في تلك «الأمومة الفطرية»، التي تتعامل بها الفتيات الصغيرات مع عرائسهن. وتستمر الرحلة؛ حتى تصبح تلك الفتاة أماً، وتستمر رحلتها مع الطفل القادم إلى الوجود؛ فتكتب - في صفحاته البيضاء - قصة الحب الأسمى في هذا الكون.
«الأمومة» ليست مجرد رابط بيولوجي، بل هي نهر متدفق من المحبة والعطاء، لا يتوقف جريانه مهما مرت السنون، فهي ظل الروح الذي يحميها طوال العمر. في علاقته الأولى بالحياة، لا يرى الطفل في أمه مجرد إنسان، بل يراها كونه الخاص، وعالمه المتفرد، وكهف الأمان الذي يهرب إليه؛ ليأمن داخله من العالم كله!
«الأمومة» ليست في الحماية والرعاية فقط، كما يظن الكثيرون، فالأم هي المعلم الأول والأهم في حياة طفلها؛ فهي التي تضع البنية التحتية - إن صح التعبير - لشخصية الطفل، وحينما تكون هذه البنية قوية، ستنشأ لدينا أجيال قوية.
والمفارقة التي تعيشها الأم، أنها تربي طفلها؛ ليغادرها حينما يبني عالمه الخاص، لكنها تُطل عليه من نافذة قلبها، وهي تبتسم مع كل خطوة يخطوها نحو مستقبله، وحينما نكبر، وتكثر أمامنا تحديات الحياة؛ سننظر إلى تلك النافذة، وندرك أن كل ما كنا نبحث عنه في رحلتنا ظل حياة في تلك النظرة، التي تطل بها علينا من نافذة قلبها.
كل ما فات يدفعنا لننظر إلى «يوم الأم» نظرةً أكثر عمقاً؛ فالاحتفال بالأم لا يمكن أن يكون يوماً من العام فقط، فالأم هي نفسها طوال العام، واحتفالنا بها لابد أن يخرج من إطار الاحتفاليات المبهرجة بالهدايا والابتسامات والصور التذكارية الملتقطة، التي تبقى أسيرة ألبومات صورنا؛ وتصبح هذه الصور معزولة داخل أيقونة العزلة في العصر الحديث (الهاتف المحمول).
إن الأم لا تلتفت إلى تلك الاحتفالات، التي نختزلها في يوم واحد من العام، بل يكفيها أن تشعر بأنها في قلب حياتنا، وأن نجد - خلال اليوم - الدقائق التي نُشعرها فيها بأنها قريبة منا، وأن تيارات الحياة لا يمكنها أن تدفعنا بعيداً عن شاطئها؛ فالمحبة ليست كلماتٍ تقال، ولا هديةً تمنح، بل هي أفعال تُظهر المحبة والتفهم والمساندة اليومية.. ذلك هو الاحتفال الحقيقي، الذي يمنح الأم الأمل والسكينة والحياة، ويُشعل في روحها جذوة الفرح!