#سياحة وسفر
لاما عزت 5 ابريل 2025
الربيع يعني أن نفتح أبوابنا، ونمضي نحو الطبيعة؛ لنعيش موسيقى الحياة بكلّ سحرها، فهو الفصل الذي يدعونا إلى الدهشة؛ للاستكشاف، والتنقل بين عوالم تتلون بالزهور. فمن اليابان، حيث تتساقط أزهار الكرز كرقائق ذهبية في سماء طوكيو، إلى هولندا التي تزهو بألوان «التوليب»، وتمتد حقولها لوحةً لا نهائية من الجمال. وفي الشرق الأقصى، تحكي أزهار «الساكورا» عن لحظات زوالها قبل أن تلامس الأرض. بينما في قلب أوروبا، تذكرنا حقول «زهرة الشمس» بلوحات فان غوخ، حيث تمتزج الطبيعة بالفن؛ لتروي قصة الربيع بأبهى صورها. إنها رحلة بين ثقافتين، بين سحر اللحظة اليابانية، وتأملات الطبيعة الهولندية.. «زهرة الخليج» تأخذكم في جولة عبر أجمل وجهات سياحة الربيع في هذين البلدين، لتعيشوا تجربة من الجمال المتجدد.
-
«الربيع».. سياحة اللون ونسمات الزهر بين جبل ونهر ووادٍ
أرخبيل الجزر.. حيث يلتقي التاريخ والجمال
عندما نتحدث عن اليابان، فإننا نستحضر حضارة عريقة، تمتد عبر قرون، وجزرًا تتناثر فوق المحيط الهادئ، حيث يلتقي التراث العميق بالتطور السريع في توازن فريد.. إنها ليست مجرد دولة، بل عالم متكامل، ينبض بالتقاليد والحداثة، حيث يتجلى الفن، والأدب، والعمارة في لوحة من الإبداع المستمر. اليابان، موطن «الهايكو، والساموراي، والمانغا»، دولة حافظت على أصالتها رغم تسارع التكنولوجيا الحديثة. فمدنها تنبض بالحياة، لكن وسط صخبها، تحتفظ «كيوتو» بسحر تاريخها العريق. وبين الأزياء التقليدية، والشوارع النابضة بالحركة، تظل بساتين الكرز رمزًا خالدًا للجمال، وتمتد جذورها في الفن والأدب، فغدت وجهة سياحية يقصدها الزوار من أنحاء العالم؛ للاستمتاع بسحر الطبيعة اليابانية.
طوكيو وحدائق «الساكورا».. رحلة بين ألوان الربيع
عندما يحلّ الربيع، يتلون المشهد في اليابان بدرجات الأبيض والوردي، حيث تبدأ الرحلة من قلب العاصمة طوكيو إلى حدائق «الساكورا»، حيث تتحول المدينة إلى لوحة طبيعية ساحرة. وتعد حديقة «أوينو» من أشهر وجهات مشاهدة أزهار الكرز، فهي تحتضن أكثر من 1000 شجرة «ساكورا»؛ تمنح الزوار تجربة فريدة. ومع انطلاق مهرجان «هانامي»، حيث يحتفل اليابانيون بروعة أزهار الكرز، تتحول الحدائق إلى كرنفال من الألوان والفرح؛ فتعكس ثقافة الاحتفاء بالجمال بأدق تفاصيله. وعلى ضفاف نهر «ميغورو»، تمتد مئات الأشجار التي تزهر في مشهد أخّاذ، خاصة عند حلول الليل؛ حينما تضيء الفوانيس الورقية الأزهار المتدلية؛ فتبدو كأنها حلم يتجسد في شوارع طوكيو. إنه مشهد فريد، حيث يندمج سحر الطبيعة مع الأضواء في تجربة أقرب إلى الخيال.
وحينما نبتعد قليلًا عن صخب المدينة، يحضر جبل «فوجي» واحداً من أكثر المعالم الطبيعية شهرة في اليابان. فبمجرد الوصول إليه، تتجلى عظمته كرمز أسطوري للطبيعة اليابانية، خاصة عند انعكاس صورته على مياه البحيرات المحيطة، وهو مشهد يذكرنا بروح شعر «الهايكو»، حيث تُختزل معاني الجمال في لحظة مكثفة، مثل أزهار الكرز التي تتفتح سريعًا، ثم تتساقط، في تجسيد رائع لفلسفة تقدير اللحظة. أما «كيوتو»، المدينة التي تحافظ على طابعها التراثي، فتتزين في الربيع بممرات حجرية، تصطف الأشجار على جانبيها؛ فتجعلها المكان المثالي للتأمل والتقاط الصور. ومن أجمل تلك الأماكن «طريق الفيلسوف»، حيث يمتد ممر خلاب محاط بأشجار الكرز، يمنح الزائر لحظات من الهدوء والسكينة؛ ليصبح إحدى أجمل وجهات مشاهدة «الساكورا» في اليابان. وبين الحدائق والشوارع والجبال، يجد الزائر نفسه حائرًا بين المشاهد المذهلة، التي تقدمها «طوكيو»، و«كيوتو»، في فصل الربيع، حيث تمتزج ألوان الطبيعة بإحساس عميق من الجمال والتجدد.
-
«الربيع».. سياحة اللون ونسمات الزهر بين جبل ونهر ووادٍ
«طوكيو القديمة».. التاريخ يروي حكاياته
من أرض رياضة «السومو»، نمضي نحو «طوكيو القديمة»، حيث تنبض الشوارع بروح الماضي، وتفوح رائحة التاريخ في أزقتها الضيقة، بين المحال الصغيرة التي تعرض المشغولات اليدوية، والمطاعم الشعبية التي تقدم أطباقًا يابانية أصيلة بأسعار معقولة. وفي «أساكوسا»، القلب التراثي للعاصمة، لا يزال بإمكان الزائر أن يعيش أجواء اليابان التقليدية، حيث تتداخل التقاليد العريقة مع نبض الحياة اليومية. وقبل أن يهبط الليل، تتحول المدينة إلى لوحة نابضة بالألوان والأضواء، فتزداد سحرًا مع أفق «أودايبا»، الجزيرة الاصطناعية التي تعد واحدة من أبرز وجهات الترفيه في طوكيو. ويمكن للزائر الصعود إلى عجلة «دايكانرانشا»، التي كانت من بين الأطول في العالم عند افتتاحها؛ للاستمتاع بمشهد بانورامي مذهل لعاصمة «بلاد الشمس المشرقة».
في اليابان، تتفتح أزهار الخيال واكتشاف الذات مع كل خطوة، حيث تتجلى ملامح الثقافة العريقة في كل زاوية. ويكفي أن تعرف خصوصية البيت الياباني، وأن ترى الأمهات يلعبن مع أطفالهن في الحدائق العامة، في مشهد يعكس أسلوب الحياة الياباني المميز. لهذا، يُقال: إن السفر هو أجمل تجديد للحياة، وواحدة من أروع التجارب للمتزوجين حديثًا، خلال شهر العسل. ولا يمكن الحديث عن طوكيو دون التطرق إلى الفنون اليابانية التقليدية، التي تعكس جوهر الثقافة اليابانية، من فن الخط «Shodo»، إلى المسرح «الكابوكي» و«النوه»، وصولًا إلى السينما الحديثة والمسرح المعاصر. وإلى جانب ذلك، تقدم المتاحف اليابانية فرصة نادرة؛ للاطلاع على التراث العريق والفنون التي شكلت وجه اليابان عبر العصور. فكل شيء، هنا، يدعو إلى التأمل، واستعادة التوازن الداخلي، كأنك تعيش قصيدة «هايكو» تصف مشهدًا من الطبيعة في لحظة خاطفة، أو تحكي عن زهر الكرز، حينما يتساقط بلطف على صفحة الماء، في مشهد يُخلّد جمال الحياة بكل تفاصيلها.
هولندا.. سحر الربيع في أرض الطواحين والزهور
هولندا، هذه الأرض التي ألهمت الفنانين والشعراء والفلاسفة على مر العصور، تكتسي في الربيع بثوبٍ من السحر والجمال، حيث تتفتح زهور «التوليب» بألوانها الزاهية؛ فتتحول الحقول إلى لوحات طبيعية نابضة بالحياة؛ لذلك ليس غريبًا أن تُصبح رمزًا للجمال والازدهار. وباعتبارها واحدة من أجمل دول أوروبا، نود أن نقترب من مدنها، لنعرف أهم معالمها السياحية، وخصوصية فصل الربيع فيها، حيث تتناغم الطبيعة مع الأجواء الهادئة؛ ما يجعلها الوجهة المثالية للعائلات والأصدقاء. هنا، تأخذ الرحلة طابعًا مختلفًا، حيث يمكنك الاستمتاع بمنظر الحقول الخضراء والأنهار الهادئة، أو بجولة بالدراجات وسط القرى الريفية، بعيدًا عن صخب المدن. وفي الحدائق والمتنزهات، يمكن رؤية نساء مسنات يجلسن بهدوء، لينسجن أحلامهن، وينقلن الأمل إلى الأجيال القادمة، كأنهن يشاركن الطبيعة إيقاعها البطيء والعميق. إنها لحظات تعكس فلسفة الحياة البسيطة، التي تميز هذه البلاد. فمن عاش هذه التجربة، يدرك أن لا ربيع أكثر إشراقًا من ذلك الذي تراه في «أرض الطواحين»، حيث تمتزج الألوان بالعطر، والهواء بالنور، في مشهد يجسد سحر الحياة بكل تفاصيلها. فكم هو رائع أن نعيش هذا الجمال برفقة من نحب، وأن نكتشف، معًا، ما تعنيه ابتسامة الحياة الحقيقية.. اليوم نمضي في رحلة عبر هولندا؛ لنفتح أبوابًا جديدة للحلم، ونلامس روح الربيع في أنقى صوره.
-
«الربيع».. سياحة اللون ونسمات الزهر بين جبل ونهر ووادٍ
حدائق «كويكنهوف».. أعجوبة الربيع الهولندي
يقولون: إن الحدائق رئة المدن، فهي المتنفس الأجمل للإنسان، فكيف إذا كنت تتنزه في حدائق «كويكنهوف»، تلك الأعجوبة الهولندية، التي تتحول كل ربيع إلى لوحة من الألوان؟.. التي تُعرف، أيضًا، باسم «حديقة أوروبا»، وهي واحدة من أكبر حدائق الزهور في العالم، وتمتد على مساحة 32 هكتارًا، وتضم أكثر من 7 ملايين زهرة «توليب»، تنثر ألوانها بكل تدرجات الحياة: الأصفر، والأحمر، والبنفسجي، كأنها قصيدة بصرية تتفتح في وجه الشمس. في «كويكنهوف»، هناك من يلتقط صورة وسط «التوليب الأصفر»، ويرفع يديه كأنه فراشة تستعد للطيران، وهناك من يختار كل لون على حدة، كأنه يقتطف حلمًا من الطبيعة. أن تتجول، هنا، يعني أنك تعيش لحظة من الحلم، حينما تمرر يدك على الزهور، وتفتح عينيك على الجمال، فتدرك أن الطبيعة هي المعلم الأول للفن. فان غوخ، ابن هذه الأرض، خرج من الطبيعة، وعاد إليها، وهو يرسم «زهرة الشمس»، وكل هذا الجمال الذي عاشه في الريف الهولندي. وهنا، في «كويكنهوف»، تشعر بأن الألوان تتحدث إليك، والعطر يروي حكاياته، وسط مشهد ملهم. ومن منتصف مارس إلى منتصف مايو، تُفتح الحديقة أمام الزوار لمدة ثمانية أسابيع فقط، لكنها كافية لتمنحك تجربة ثرية. أن تزور هذا المكان في الربيع، يعني أن تترك قلبك يتنفس الجمال، وأن تمشي وسط الحقول كأنك جزء من لوحة، وأن تعيش لحظة لا تشبه غيرها، في واحدة من أكثر زوايا الأرض إشراقًا.
حقول «التوليب» في «ليسه» و«هارلم»
ليست الحدائق وحدها ما يجعل هولندا وجهة مثالية في الربيع، بل أيضًا حقول «التوليب» الشاسعة. ويمكنك استئجار دراجة، والانطلاق بين الحقول في منطقة «ليسه»، حيث تبدو الألوان كأنها تتراقص مع الريح، أو التوجه إلى مدينة «هارلم»، التي تتميز بحدائقها الجميلة، وشوارعها المرصوفة بالحصى. أنت، هنا، إن فتحت عينيك سترى الجمال، وإن أغمضتهما ستستغرق في الحلم.. وكل هذا يعيدك نقياً؛ لهذا قالوا: «السفر يجلي الروح».
«أمستردام».. مدينة التناقضات
جميل أن نمضي نحو العاصمة «أمستردام»، فرغم صخبها إلا أنها تمنحك مساحات من الحقول والحدائق والشوارع، والفنادق، إلى جانب المهرجانات والكرنفالات. هنا، في الربيع، تمتلئ قنوات «أمستردام» بالزهور، وتقام مهرجانات الزهور في الأسواق المفتوحة. ويمكنك زيارة سوق الزهور العائم في «سينجل»، حيث تُباع نباتات: التوليب والبصيلات بألوان مبهجة، أو الاستمتاع بالمشي في حديقة «فوندل بارك»، التي تتحول إلى واحة من الجمال الربيعي.
ربيع فريد
بخلاف جمال الطبيعة، يضج الربيع في هولندا بالحياة، حيث تقام المهرجانات، ومنها «مهرجان الملك» في أبريل، الذي يملأ الشوارع بالموسيقى والاحتفالات. كما توفر الأجواء المعتدلة فرصة مثالية؛ لاكتشاف المدن الهولندية على الدراجة، أو القيام برحلة نهرية هادئة عبر القنوات التاريخية.
ربيع اليابان أم ربيع هولندا.. أيهما تختار؟
إذا كنت تبحث عن تجربة شاعرية مليئة بالهدوء والتأمل وسط أزهار الكرز، فإن اليابان وجهتك المثالية، حيث يلتقي الجمال والطبيعة في مشهد يفيض بالروحانية. أما إذا كنت تفضل ألوانًا زاهية لا نهاية لها، مع أجواء احتفالية، وطابع أوروبي كلاسيكي، فهولندا ستمنحك رحلة لا تُنسى. ففي كلتا الوجهتين، ربيع، وألوان، ونسمات، وحضارات، ووجوه.. فهل فكّرت في أن تضع يدك في يد مَنْ تحب، أسرة، أو أصدقاء، أو رحلات جماعية، حتى لا تفوّت هذه التجربة، التي تعادل كنوز الأرض؛ لهذا ليس عبثاً أن يغني الشعراء للربيع، وأن نكتب حكاياتنا بالصورة والصوت والركض؛ لنصرخ بأعلى صوتنا على هذه الأرض.. بأننا نستحق الحياة!